فن

كابوس عائلي آخر من كوابيس فارهاداي في Everybody Knows

مرة أخرى يخرج فارهادي من إيران ليقدم فيلمًا جديدًا، ومرة أخرى يأخذنا إلى حبكة عائلية معقدة، تحوطها الأسرار، ولكن هذا لا يعني أننا مللنا أفلامه، ولم تعد تدهشنا كما كانت من قبل، ففارهادي ساحر الدراما الإيرانية لازال قادرًا في فيلمه الثامن على جذب انتباه المشاهد، وتسليته حتى لو بإعادة قصص قد شاهدها من قبل.

افتتح مهرجان كان السينمائي هذا العام بفيلم Everybody Knows للمخرج أصغر فارهادي ليصبح ثاني فيلم باللغة الإسبانية ينال هذا الشرف، ويحظى بردود أفعال متناقضة ما بين الإعجاب المعتاد لأعماله، وبين الإحباط لأشخاص كانت توقعاتهم عالية لفيلمه الجديد، بينما البعض لازال مصرًا أن A Separation هو درة أفلامه الذي لم يستطع التفوق عليه قط.

أين ذهبت؟ مرة أخرى

فيلم everybody knows

لا يمكن أن تشاهد الفيلم وإلا تتذكر About Elly فيلم فارهادي لعام 2009 الذي تشابه حبكته الرئيسية حبكة فيلم “الكل يعرفون” لعام 2018، فكلاهما عن فتاة اختفت بصورة غامضة، تاركة ورائها عشرات من علامات الاستفهام، وضغط نفسي يجعل كل شخصيات الفيلم تفور بالغليان لنتعرف على دواخلها وأسرارها المخفية، ونجد شبكة علاقات لم تكن ظاهرة من الوهلة الأولى.

فيلم Everybody Knows ينتمي إلى الإثارة النفسية، وهو بالفعل يحمل العديد من صفات هذا النوع السينمائي الشهير مثل الجريمة، والسباق الزمني الذي يتماهى فيه المشاهد مع الأبطال قبل أن تحين لحظة الصفر وتحدث المصيبة أيًا كانت وغيرها من العلامات.

لم لكن الهدف من صنع الفيلم أن يجرب فارهادي صنع فيلم نوع للمرة الأولى، فعلى الرغم من تلك العلامات السابقة فالفيلم يحمل بصورة أكبر صفات أعمال المخرج الشهيرة، كالبحث في الأعماق الإنسانية لكل شخصية، وإيمانه بأن الكل لديه أسرار، وهذه الأسرار هي التي تشكل ماهيته، وأكثر العائلات تماسكًا تحمل بين طياتها عفونة حقد دفين، أو شك قديم تجعلها تتحلل في الوقت المناسب.

تدور أحداث الفيلم هذه المرة بين أفراد أسرة أسبانية في قرية، حيث تعود لاورا “بينلوبي كروز” من الأرجنتين حيث تقيم مع زوجها وابنها وابنتها لتحضر حفل زفاف أختها، تلاقي أفراد الأسرة والأصدقا بالكثير من الفرح، ولكن بعد حفل الزفاف تختفي الابنة، لتبدأ الشكوك تتجمع وتتشتت كبرادة الحديد تحت مغناطيس عابث.

عشرات الإجابات والأسئلة

فيلم everybody knows

كلما توغلنا في أحداث الفيلم أكثر اكتشفنا أن العلاقات البسيطة التي تعرفنا عليها في البداية ليست بهذا الوضوح، فيبدأ المشاهد في التساؤل هل ما يظنه صحيحًا؟ هل تلك الإشارات صحيحة؟

وكلما أفصح الفيلم عن أحد أسراره وجدنا إشارات لأخرى قادمة، فتاريخ عائلة لاورا وعلاقتها بباكو “خافيير باراديم” طويلًا ربما بطول عمر كل منهما، لذلك حتى النهاية نجد أن هناك ما سيتم اكتشافه في الدقيقة القادمة.

وعلى عكس أفلام فارهادي التي غالبًا ما يتركنا في النهاية غير عالمين الحقيقة الكاملة، ولا من الجاني، هذه المرة يرضى مشاهديه بنهاية واضحة تمامًا، فلا يتركه بحيرة، وربما هذا ما أغضب بعد النقاد الذين شعروا أنه خان أفلامه السابقة، وحول عمله الأخير لفيلم إثارة عادي آخر.

إخراج في شمس إسبانيا الساطعة

فيلم everybody knows

للمرة الثانية يخرج فارهادي إلى بلد غير إيران لصنع فيلمًا، وهذه المرة اختار أن يقدم السيناريو الذي كتبه بنفسه في إسبانيا، ولكن ذلك لم يؤثر فقط على لغة الفيلم، ولا اختياره للممثلين، ولكن حتى من الناحية البصرية اكتسب إخراج أصغر الكثير من طبيعة البلد التي صور بها فيلمه.

فعلى العكس أعماله السابقة التي تم تصوير أغلب مشاهدها في أماكن داخلية، وغلب عليها الميزانسين المسرحي والإضاءة الداكنة، وبدا هذا واضحًا للغاية في فيلمه الأخير The Salesman نجد في فيلمه الأحدث أغلب المشاهد مصورة بأماكن خارجية، حيث مفتتح الفيلم حقول الكروم والسيارة تشقها حاملة العائلة القادمة توًا من المطار، مع استخدام ضوء النهار الساطع في إضاءة الكثير من الكادرات، حتى الداخلية في منزل باكو.

وأيضًا بسبب هذا الاختيار استخدم في فيلمه إثنين من أشهر الممثلين المتحدثين بالإسبانية في التاريخ، والمتزوجين منذ ما يقارب العقد بينلوبي كروز وخافيير بارديم في الفيلم الخامس الذي يجمع بينهما.

كان كل من باراديم وكروز إضافة للفيلم في الحقيقة، فبدونهما لأصبح الفيلم مجرد صورة مكررة بالفعل من About Elly، وقدم كل منهما أداء بأسلوب مغاير تمامًا للأخر مناسب لدوره، فبينلوبي بدور الأم التي تفقد ابنتها احتاجت لأداء انفعالي هيستري لكن بلا ، وعبرت بسلاسة عن مشاعر عديدة مثل الغضب واليأس والحزن، بينما على الجانب الآخر لم تظهر مشاعر باكو مشاعره بصورة واضحة وفجة مثل لاورا، بل خرجت عبر لغة الجسد، وملامح الوجه، لنشعر طوال الوقت بالحمل الثقيل الذي يحمله هذا الرجل الضاحك على كتفيه.

بالفعل لم يخطيء النقاد عندما قالوا أن فيلم Everybody Knows ليس به جديدًا ليقدمه فارهادي، ولا هو أفضل أعماله، بعدما وضع معايير عالية لنفسه، ولكن يبقى في النهاية فيلم مسلي، مصنوع بحرفية عالية، مع أداء تمثيلي ممتاز.

أقرأ أيضًا: لقد بدأت الدراما مع الإغريق وانتهت مع أصغر فرهادي

The post كابوس عائلي آخر من كوابيس فارهاداي في Everybody Knows appeared first on أراجيك.

Original Article

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق